Ads 468x60px

الأحد، 15 أبريل 2012

رسائل ملغومة



قد يسهل علينا ونحن نقرأ كتابا أن نقتبس منه ما يروقنا وما يتناسب ومعتقداتنا ونرمي بكل تلك الأفكار التي لا  تلزمنا، وقد نسقط أحيانا في فخ الاقتناع ويستطيع الكاتب "بمكنزماته" الخاصة أن يغير بعضا من أفكارنا بأفكار أخرى قد تكون سليمة وقد لا، على كل، مادامت حاسة البصر هي فقط ما يشتغل ونحن نمارس فعل القراءة فهي تظل أقل تأثيرا إذا ما وضعت في موازنة مع تأثير الإعلام السمعي البصري الذي يشغل كل حواس المتلقي، كما أنه موجه لكل فئات المجتمع بدون استثناء ويظل الفرد القارئ ينتمي لتلك الفئة التي غالبا ما تتمتع بمستوى فكري يؤهلها لغربلة ما يقدم لها.
للمجتمع خصوصيات على الإعلام احترامها ووضعها كركيزة عند اختيار مواده، فهو يقتحم البيوت والأسر التي تشكل وحدة المجتمع وبيده الرقي بها وتوعية أفرادها لمزيد من التماسك وبيده زعزعة استقرارها والرمي بها لمصير مجهول. 
قد شهدت الكثير من المناطق القروية والنائية منها في السنوات الأخيرة حدث التعبئة الكهربائية وبالتالي تمكنت أسر كثيرة من إدخال الصندوق العجيب "التلفاز" لبيوتها لتكتشف سرائره ولتنفتح بالخصوص على الإعلام الوطني والإنتاج الوطني، فهل تتناسب الصورة الإعلامية التي تصدرها القنوات الوطنية مع التركيبة الفكرية لأهل القرى خصوصا ؟ وكيف يمكن أن يتعامل مواطن عاش في قوقعة بخصوصيات يغلب عليها الطابع التقليدي المحافظ مع مواد يغلب عليها طابع الاستيراد؟ وكيف يفسر لأطفاله الاختلاف والتناقض بين ما تعلموه وتربوا عليه وما يشاهدوه في القناة ؟.
لست أبالغ مطلقا حين قلت وأقول أن جل أنواع السموم تنبعث من إعلامنا لتجري في عروق مجتمع مغلوب على أمره، ولسنا نبالغ حين طالبنا ونطالب بتغيير مواد قنوات فاسدة مادامت تمول من أموالنا الخاصة، فالمجتمع أصبح يدق ناقوس الخطر ومن الجميل أن ننفتح على الحضارات الأخرى فيما ينفع ومن الغباء حقا أن نسقط تجارب مجتمعاتهم علينا ونضع أنفسنا في دوامة ازدواج الهوية.
وأنا أشاهد إحدى المسلسلات التركية التي تبتها قناة وطنية من باب التسلية ولأن المخرج قد استقطب جمهور حاشد من المتابعين من خلال القصة المثيرة للمسلسل حيث يغلب عليها طابع التشويق من أول حلقة والتي تحفزك على الوفاء في مشاهدته، أفاجئ من حين لآخر برسائل تمرر من خلال مواقف تتعارض والتركيبة الثقافية لمجتمع سبق وأن صوت على دستور مكتوب في أحد فصوله أن الإسلام دين الدولة. هي رسائل لا تدعوا فقط لتطبيع العلاقات الغير شرعية وإنما تصوير الرجل العفيف والمرأة العفيفة قبل الزواج كأنهم مخلوقات غريبة تعاني من أمراض نفسية وهذا للأسف ما أصبح متشبع به من طرف الكثيرين متناسين أن النهايات الجميلة للمسلسلات لا تشبه النهايات المأساوية للوقع، وإن كان كاتب السيناريو قد برع في إقناعنا أن العلاقات الغير شرعية تنتج أزواجا سعداء وأسر مثالية فالواقع أكثر بلاغة حين يخبرنا بنسبة الأمهات العازبات التي ترتفع بشكل مهول واللواتي يتجهن لامتهان الدعارة بعد نبد المجتمع لهن، وحين يخبرنا عن أرقام مفزعة لأطفال الشوارع ورضّع الشوارع المتشردين، هنا سنرى الازدواجية التي أصبح يعيشها المجتمع، جهات تدعو لإصلاحه وجمعيات تكثف جهودها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ومن جهة أخرى مواد فاسدة تزيد الطين بلة والأخطر من ذلك أنها توجه لشريحة تستهلك دون الإكثرات لسلامة المواد المستهلكة..
ومن ضمن المواقف المستغربة أيضا والمتكررة جدا والتي أصبحت منمطة وانتقلت للواقع المعاش ـ هي كيف أن الزوج يدخل أصدقائه لبيته ويجالسون زوجته وقد يخرج ويتركها معهم وإن مرض أحد أصدقائه قد يطلب من زوجته الاهتمام به  وكل هذا في جو عائلي يسوده الاحترام والتفاهم وهذا ما يلغي الحرمة التي يتمتع بها البيت المسلم، وما قد ينتج عن مثل هاته السلوكيات من خيانات واختلاط الأنساب أحيانا والواقع يحكي!، فالملائكية التي يتصف بها البشر والتي تحدثنا عنها المسلسلات لا تمت بصلة مع الواقع، فإذا كان على الزوج ألا يتحدث عن صفات زوجته ومميزاتها أمام أصدقائه والعكس أيضا وذلك لتفادي الطمع الذي قد يتملك قلوب الآخرين، فكيف يمكنه أن يؤمن الغريب على حرمة بيته؟!،
موقف آخر يحز في النفس صراحة ويضرب بقيمنا ضرب الحائط، وهي علاقة الآباء بالأبناء وكيف أنهم قد يمررون لك مشهد يضرب فيه الابن أباه ليأخذ بثأره منه، وكيف أن الأم تعمل خادمة عند ابنتها ولا حرج في كل ذلك، في حين أن الله سبحانه وتعالى يقرن عبادته بطاعة الوالدين حتى وإن كانوا كفارا فالرفق بهما يبقى واجبا.
  المؤسف حقا، أنها رسائل تمرر من خلال قناة وطنية يفترض أن تنبض بنبض الشارع وأن تسعى لتقوية تماسك المجتمع لا تشتته. فبالله عليكم كيف يمكن لطفل صغير أن يستوعب هذا الكم من التناقضات، يلقنه والداه شيء ويعلمونه في المدرسة شيء ويرى بعينيه أشياء أخرى، وطبعا تظل جل المسلسلات المعروضة غير صالحة بالمطلق للمشاهدة فكيف ستفسر لأبنائك أن ما يذاع على التلفاز يجب أن يبقى في التلفاز وكيف تستطيع منعهم من مشاهدة قناتهم الوطنية ــ على الأقل إلى حين بلوغهم النضج الفكري الذي يؤهلهم لغربلة كل ما يقدم لهم ــ وفي نفس الوقت لابد أن تنمي فيهم حب كل ما هو وطني كي لا تتزعزع ثقتهم في الوطن!
  
      

التعليقات
13 التعليقات

13 التعليقات:

faroukfahmy58 يقول...

آمــــــال
انا معك تماما من يسمع اطفالنا لما يقال فى البيت او يقال فى الشارع او يقال فى المدرسة؟؟؟؟
هذا عبث بمقدرات ما يراه اطفالنا
و متى تتوحد الاتجاهات التعليمية بين ماهو مفروض وما يجب ان بكون
مدونتى تسألك الزيارة بعد غياب طويل عنها
انت فين يا آمال

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

السلام عليكم

احسنت اختى الغالية
اختيار العنوان وشرح تفاصيلة ومضمونه
فهكذا دائما الاعلام فى كل مكان وسيلة خطيرة لدعم التفكك الايمانى والعقائدى والفكرى
اذا استغله اصحاب الاهداف العدائية للشعوب وهذا ما يحدث بقوة الان فى كل البلاد العربية


لقد كتبت فى هذا الموضوع فى مدونتى المدينة الفاضلة من فترة


احييك حبيبتى وجزاك الله خيرا على مواضيعك الهادفة

دمت بخير

ريـــمـــاس يقول...

مساء الغاردينيا آمال
مقال راقي وهادف
للأسف إعلامنا العربي أصبح أداةلطمس القيم التي نحاول زرعها في أبنائنا ف الطفل اليوم مشاهد جيد "
؛؛
؛
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

مغربية يقول...

كلماتك في محلها
اعلامنا ليس الوحيد الدي يرسل لنا رسائل ملغومة
بل هي أحيانا أبسط التفاصيل في حياتنا
للأسف :)
شكرا امال على مشاركتنا رأيك في الموضوع
ليلة طيبة

أبو حسام الدين يقول...

الاعلام لا يقل دوره عن دور الوالدين..
وربما عندما تكون وسيلة الاعلام في أيد مسؤولين لهم ايديولوجيات معينة فوقتها يختلف الامر.
موضوع مهم أمال. احسنت الكتابة فيه.

قوس قزح يقول...

و لكن لا جودى فى وجود الستالايت و الاقمار الصناعية
فنترك لهم الاختيار مع التوجيه لانهم سوف يملون من القنوات الارشادية ويتجهون لقنوات التسليه والافلام شئنا أم ابينا .. أعتقد ان الموضوع فى التثقيف ليس الاعلامى و لكن فى المدارس و الجامعات

لا ليور دو لاطلاس يقول...

موضوع في غاية الأهمية

و أمثلة في صميم الصميم


شكرا لك امال


كنت هنا

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

صدقت اختي لقد كنت دقيقة في نقل الصورة
صحيح الاعلام عامل اساسي في المآسي الكثيرة التي استجدت في المجتمع المغربي :أطفال الشوارع ، دور العجزة ، زنا المحارم ، شغب الملاعب ....لهذا صنفته في إحدة تدويناتي ضمن المحرضين على العنف والفساد في المغرب
http://sadakissane.blogspot.com/2012/01/blog-post_16.html
تجياتي لك

goulha يقول...

كل ما قيل هاهنا موجود في الواقع
أما آن الأوان للرجوع للأصول
بورك طرحك القيم

m.hallawa يقول...

السلام عليكم

موضوع رائع ربنا يحمي وطنا العربي من كل افكار سامة من أعلمنا الهابط
تحياتي

نور يقول...

لا شك ان الإعلام يشاطرنا تربية أبنائنا إن لم يكن يتفوق علينا في التأثير بهم .. يرسم منظومة قيمية جديدة أبعد ما تكون عن قيم الأمة وروحها ..

نسأل الله الوعي والصلاح

باسم يقول...

على أهمية الموضوع، أريد أن أتساءل أيضا، لماذا الخوف من التوجيه الإعلامي بحدّ ذاته كنوع من صناعة التفكير، لماذا لا تقاوم الأفكار بالأفكار بدل الانغلاق على النفس مبالغة في الحذر، أقصد أن كل الشر في توجيه الفكر في مسار واحد، وربما كل الخير في تقبل أفكار أخرى غريبة وتقبل أفكار تناقضها وأخرى بين البينين وهكذا حتى يتكون فكر متشبّع مقنع ومتعدد الثقافات.
أقول هذا بحذر طبعا لكننا رأينا الأجيال التي صنعها انغلاق الآفاق الإعلامية أيام كان العالم الآخر منفتحا، ربما نحن في مرحلة الطفولة أصلا في مسألة تقبل الآخر وفكره، لكن من مصلحتنا نحن أن نتغير ولو ببعض المخاطرة.
سلمت يداك.

بحر الإبداع يقول...

السلام عليكم

رغم أن التفاز بات مليئاً بالقنوات التي باتت لا يمكن عدها ، ورغم تلك المواقع التي غزت صفحات الويب ، ولا سيما الفيسبوك ذاك السارق الذي يسرق أوقاتنا .

نبقى نحن المتهمون في غزو عقولنا .

إرسال تعليق