Ads 468x60px

الجمعة، 20 يناير، 2012

عن ماذا يبحثن؟(3)


ما كل ما يتمناه المرء يدركه، وما كل ما نتمناه هو خير لنا.
عسى أن تحبوا شيء وهو شر لكم وعسى أن تكرهوا شيء وهو خير لكم هكذا بدأت الحاجة رقيّة حديثها وكأنها تستخلص الحكاية بحكمة ربانية بعدما تحدّت الأقدار لتحقق حلمها في استكمال أمومتها.
تقول رقيّة تزوجت وأنا ابنة الخامس عشر ربيعا زواجا تقليديا كما تحكم التقاليد وكما جرت العادات في بلدتنا الصغيرة، لم تكن لي معرفة سابقة بزوجي لكني عشت معه أجمل سنوات عمري، شهامته وطيبة قلبه كانتا كافيتين لتحول حياتي لجنة من الورود، فأنا لا أذكر إلا أيامي معه ولا تزال ذاكرتي تسترجع معي أدق التفاصيل كأني أكرر عيشها مرات ومرات، لم يرفض لي يوما طلب و بدوري كان بيتي بمثابة الأرض التي أحرثها وأحصد أشهى ثمارها، كانت علاقة جميلة وناجحة جمعت بين روحين طيبين فنفح المسك عند تلاقيهما. رزقت بمولود ذكر فرحت وفرح زوجي، ملأ الضياء أركان بيتنا وازدادت البهجة على محيانا، راعيناه سويا وعشنا معه لحظات رضاعته وطفولته الشقية، رغبنا في تكرار التجربة ورزقنا بأربعة ذكور بعد ذلك.
 لطالما تمنيت مولودة أنثى، أمشط شعرها وأربطه ثارة بربطة صفراء وثارة أخرى حمراء وألبسها كسوتها المزركشة وأعبث معها لتكبر وتشاركني خصوصياتي و تلازمني في الأعراس والحفلات.
كان زوجي وأبنائي الخمس كل حياتي، لكنه كان يعي جيدا برغبتي في مولودة وهذا الذي لم يتحقق بين ولادة وأخرى، قررت الإنجاب مرة أخرى عسى أن يكرمني الله برضيعة أنثى، مررت بوعكة صحية حادة نصحتني حينها الطبيبة بضرورة تجنب حمل آخر باعتبار أن صحتي لم تعد قادرة على تحمل متاعب الحمل والإنجاب وأنا  امرأة في عقد الأربعين، للأسف، حلمي الذي لازم مخيلتي سيظل حبيسا لها..
بدأت أعراض الاكتئاب بادية على جسدي ونفسيتي المرهقة، لم يستوعب أهلي والجيران سبب ما يحدث لي فلا يعقل أن أما لخمسة أبناء تحول حياتها لجحيم لمجرد عدم ارتزاقها بمولودة خصوصا أنا  أبنائي الخمس كانوا سندا حقيقيا لي والكل كان ينوه بحسن أخلاقهم  وتربيتهم الحسنة، ففي نظر  الكثيرين أنا امرأة منحتها الحياة كثيرا، زوجا طيبا حنونا مخلصا وأبناء صالحون وهذا ما أعترف به الآن واحمد الله عليه دائما فقد كنت غير واعية بحماقاتي المجنونة..
وفي يوم، يفاجئني زوجي برضيعة أنثى، قررت والدتها التخلي عنها بعدما أنجبتها بالحرام وبعد رفض أب الطفلة الاعتراف بها والذي اختفى كليا عن الأنظار، التقيت بالأم والتي أبدت استعدادها الكامل في التخلي المطلق خصوصا أنها غير عاملة ولا تستطيع التكفل بابنتها الرضيعة..
تبنينا الطفلة ومنحها زوجي اسمه وهذا أعظم خطأ ارتكبتاه، أحببتها حبا جما، ورعيتها كأنها ابنة بطني، لم تقل محبتي لها عن محبتي لأبنائي الذكور، كانت ابنتي حقا، سهرت على تربيتها لكنها كانت دون التوقعات، رغم أنها ترعرعت في بيت طيب وأسرة طيبة ملتزمة كانت ميولاتها شاذة كأن أمها البيولوجية أنجبتها بسلوك شاذ غير قابل للتعديل..
دائما ما كنت أسعى لتلين قلبها للالتزام فالفتاة النقية من تستر عرضها وتلزم حجابها لتكون طاهرة صالحة لنفسها ومجتمعها، تحب إتباع الموضة وتنهار عليا شتما إن رفضت اقتناء ما ترغبه من ملابس متبرجة لا تصلح لفتاة مسلمة، كنت أتجنب إخبار زوجي بسلوكياتها وما يدور بيننا من شجارات يومية حول تصرفاتها الغير معقلنة، منذ البداية كان تبني الطفلة رغبتي وحلمي الذي سعد زوجي بتحقيقه، لدى أنا من عليها تحمل النتائج لا غير..

أبنائي درسوا، تخرجوا وعملوا ثم كونوا أسرا، تركوا البيت ليقطن كل منهم في مدينة حسب طبيعة العمل ومنهم من ترك البلاد وأصبح تواصلي معهم لا يتعدى مكالمات طويلة بشكل يومي أحكي لهم تمرد  ابنتي ومعاناتي الدائمة معها، كنت أحبها حبا لا يوصف وأغرق مخدتي كل ليلة ببحر من الدموع، لا أعرف هل الحياة عاقبتني بإسرافي أم أنا من عاقبت نفسي..
انتقل أحد أبنائي مع زوجته و ابنتهم للعمل بالقرب مني وكانت سعادتي لا توصف بهم وبالبيت الذي دخلته أشعة الشمس بعد ليل طويل.
لم تطول فرحتي كثيرا لأستيقظ ذات صباح على زوج فارق الحياة، ودّعني دون سابق إنذار، كانت صدمة العمر، سندي وحب حياتي يفارقني للأبد، الموت سنة الحياة وحق علينا والحمد لله على ما أعطى وما أخد لكنه رحل ورحلت روحي معه، ظللت جسدا يمشي وروحا مجلية، لم أهيئ نفسي لفاجعة كهذه وهو القوي البنية الذي لم يعاني قط من مرض يهدد حياته.. الله يرحمه.. الله يرحمه..
ظهرت الوالدة البيولوجية لابنتي وتكررت زياراتها لبيتي حينما تحسنت وضعيتها الاجتماعية، سبحان الله كان هناك تشابه خلقي كبير بينهما، هناك ميول ملحوظ لابنتي تجاه أمها الحقيقية كأن الطبيعة والفطرة تقول كلمتها..
تركت ابنتي دراستها وهي في الصف الثالث إعدادي بعدما رسبت ثلاث مرات متتالية وزاد تمردها بعد حصولها على قسمتها من إرث المرحوم وأصبحت تسافر دون إذني مع مراهقات من سنها وبعد نفاذ نقودها ترجع للبيت مجددا، كنت أرفض أن يتدخل أبنائي في شؤونها وهم الذين ضاقوا درعا بما تصنعه ولم تكن سمعتها أو شرفها يهمهم في شيء مادامت ليست أختهم الحقيقة وإن عاملوها بالحسنى فمراعاة لي لا أكثر ولا أقل..
 ابني الذي كان يقطن معي أخبر ابنتي بحقيقة أصلها وأننا مجرد متكفلين بها لعلها تضع حدا لحماقاتها، أخبرها بدون مشورتي بعدما عاش معاناتي اليومية مع ابنة ترفض احترام كلمتي..
حان الوقت لننهي كل هذا الألم وحان الوقت لنصحح ما اقترفتاه من أخطاء منذ سنوات هكذا برر لي ابني موقفه وسلوكه ويا ليته ما فعل، الأمور زادت سوءا و وعلاقتي بابنتي تدهورت بعدما أصبحت تناديني باسمي   وحيدا دون لقب الماما، حالتها النفسية زادت سوءا بعدما علمت أنها مجرد لقيطة، وهذا انعكس سلبا على سلوكياتها بعدما قررت الانحراف دون ملكة إحساس، كانت تسرق ما تجده، ثارة مال ودهب وثارة أخرى هواتف محمولة وتغادر البيت لتعود بعد نفاذ ما تملكه في حالة تسوء معها حالتي، أحيانا شبه عارية من يعلم مع من كانت تقضي أيامها، كنت أدخلها لبيتي رغما عن أنف الجميع، فالكل يلحون علي بطردها نهائيا بعد كل تلك الفضائح التي تسببت بها. ولكنهم لم يستوعبوا بعد أن الأم هي من تربي وليست من تلد، وصدقا رغم كل ما صنعته ورغم عقوقها إلا أني لم أستشعر يوما أنها ليست ابنتي...
في مرة، ضبطتها الشرطة في حالة فساد مع مجموعة من المراهقات والمراهقين واعتقلت لتقرر المحكمة ضرورة إلحاقها بإصلاحية.
لمجرد علمي بالخبر، فقدت توازني لأسقط بالدرج وتكسر رجلاي وها أنت كما ترين الآن، أصبحت طريحة الفراش، طول الوقت أستغفر الله العظيم لأني كنت عبدا مسرفا لم يعرف كيف يشكر النعمة وأدخلت نفسي عن طيب خاطر في متاهات لا منتهية.
 الله وحده يعلم كم أتؤلم لأجلها، إنه ما تحسه أم تجاه ابنتها الضائعة..


للإشارة فقط : القصة حقيقية لامرأة عايشت معاناتها، واسم البطلة فظلته مستعارا !


التعليقات
11 التعليقات

11 التعليقات:

أم هريرة.. lolocat يقول...

لاحول ولاقوة الا بالله

اتدرين اختى لقد تابعت قصة تشبه تلك القصة تماما مع فارق ان البنت صالحة نوعا.. لانها تعيش بالريف وهناك ليس من السهل الخروج عن التقاليد والعرف لكن التمرد والطمع دائما واضح فى تصرفاتها

فالقصة لاحد قريباتى الصالحات التى تبنت فتاه توفى والدها وتزوجت امها من اخر لكنها ثمرة زواج شرعى وابوها كان صالح وطيب القلب لكنهم كانوا فقراء فقررت قريبتى ان تتبناها وهى معها بنات غيرها لكن الجشع والطمع والغيرة تسيطر عليها وعلى تصرفاتها رغم محاولات السيدة المستميته لاصلاح شأنها

والله اختى لا يجب ان نندم على خير فعلناه لكن كما تفضلت انت وقلت عسى ان تكرهوا شىء وهو خير لكم

قصة مؤلمة لكنها من عمق الحياة


تحياتى لك وتقديرى

علاء الدين يقول...

قصة مؤثرة ومعبرة جدا، عسى الله أن ينفع الناس بتجربة هذه الأم المريرة !
بارك الله فيك، دائما متفوق ومفيد :)

أمال الصالحي يقول...

العبرة في قصتك يا أمال أن يكون الإنسان قنوعا بما قسمه الله له، أعرف أن الطبيعة الإنسانية ميالة للجشع والطمع والرغبة في المزيد..لكن الله يظهر لنا اياته عاجلا أو اجلا ما لم نحمد نعمه علينا

قصة من صلب الواقع، وفيها حكم وعبر

مودتي لك

قوس قزح يقول...

قصة مؤثرة
عموماً ما فعلته الفتاة ليس عقاباً سماوياً
فكثير مثلها ينحرفن وهن فتيات عاديات و ليس تبنى

تحياتى لكِ




،،..،~~’’’،،,.-~*'¨¯¨'*•~RainBow.-~*'¨¯¨'*•~- ْـ ،،~~

أفراح محمود يقول...

لا حول ولا قوة إلا بالله
قصة ٌ جدا ً محزنة لم أتوقع يوماً
أن تكون هناك فتاة لا تُقدر من ربتها
وإن كانت أمها ..

كثيرة ٌ هذه القصص ولكن لم يُسلط الضوء عليها
شُكراً لك ..




زيارتي الاولى جميلة ومحزنة ايضاً
أفراح

مغربية يقول...

للأسف
هاته القصة تتكرر في العديد من الحالات
ما على السيدة الا الصبر والدعاء بالهداية لتلك الفتاة
خير من أن ترميها نحو مستقبل لا يعلمه الا الله

ليلى يقول...

أحيانا لا نقدر قيمة النهم التي منحنا الله ونجحد ولا ندرك قيمتها الا بعد فواة الأوان
قصة عبرة بالفعل غاليتي
بوركت

أبو حسام الدين يقول...

إضافة إلى ما قاله الإخوة هنا، من العبرة في القناعة وأن الانحراف قد يجر بنات اصل وغيره..
لكن أقول أولا أن التبني شرعا حرام، وما يبدو من خلال السرد أن الرجل تبناها وأعطاها اسمه، وهذا ربما أنه تلاعب بالقانون علما أن القانون المغربي لا يجيز التبني يعني أن يكون اسمها بجانب المتبني في الأوراق الرسمية..
ثانيا أن العرق دساس، والله أعلم.
ثالثا أن الدلع الزائد وما نسميه نحن في المغرب الفشوش، قد ينعكس سلبا على تربية الأطفال وخاصة البنات، وربما أن السيدة أعطت للبنت ما لا تستحقه من العناية الزائدة، بحكم النقص الذي كانت تعاني من جانب عدم انجابها للأنثى. هذا والله أعلم.

ولك التحية أخت أمال.

الاحلام يقول...

لا يستطيع احد او يجزم ان ينتهى بها المطاف الى هذا التفكير وهذا الجنون لكن الدنيا بها الكثير والكثير
تحياتى لقلمك الرائع وتحياتى لصاحبته الراقيه امال
تحياتى ابوداود

الشاب مروكي يقول...

إذا أعطى ففي ذلك حكمة ..
و إذا منع ففي ذلك حكمة أكبر لا يعلمها إلا هو ..
سلم قلمك يا آمال !

بندر الاسمري يقول...

سبحان الله العظيم ..

كانت تتوقع هذه الام المسكينة أن سعادتها تكمن في أنثى تحضنها ...

ولم تكن تعلم ما خبأ لها القدير العزيز...

تحياتي لك سيدتي ولقلمك الرائع...

إرسال تعليق